سفارة الجزائر بالبحرين تحيي الذكرى السبعين لثوة أول نوفمبر 1954 العظمى: نوفمبر المجيد وفاء وتجديد

تحيي الجزائر هذه السنة الذكرى السبعين لاندلاع ثوة أول نوفمبر 1954 العظمى: تحت شعار نوفمبر المجيد وفاء وتجديد. ونوفمبر حقا نوفمبر مجيد جعل قريحة الشعراء تتفجر بأروع القصائد وها هو شاعر الثورة مفدي زكرياء يتغنى به منشدا:
هذا «نوفمبرُ».. قمْ وحيّ المِدفعا واذكرْ جهادَكَ.. والسنينَ الأربعا!
واقرأْ كتابَكَ، للأنام مُفصَّلًا تقرأْ به الدنيا الحديثَ الأَروعا!
واصدعْ بثورتكَ الزمانَ وأهلَهُ واقرعْ بدولتك الورى، والمجمعا"!
واعقدْ لحقِّك، في الملاحم ندوةً يقف الزمان بها خطيبًا مِصْقَعا!
وقُلِ: الجزائرُ...!!! واصغِ إنْ ذُكِرَ اسمُها تجد الجبابرَ.. ساجدينَ ورُكَّعا!
نوفمبر المجيد ملحمة سجلت سطورها بدماء الجزائريين وتضحياتهم الجسام وفيها ضرب شعبنا العظيم أروع أمثلة البسالة والتضحية والفداء. ملحمة عظيمة أطبقت شهرتها الأفاق وخلبت عظمتها الألباب دامت سبع سنين طوال أدهشت المستعمرين وجيوشهم الجرارة وحاروا في أمرها وتجرعوا من كأسها أمرّ انواع الهزائم فتحطم كبرياءهم وانكمشت عجرفتهم فلم تسعفهم جيوشهم الجرّارة ولا آلة حربهم المدمرة في كسر إرادة الشعب وغادروا الجزائر بعد الضربات الموجعة التي تلقوها على يد مجاهديها المغاوير. لقد بذلوا كل ما في وسعهم لخنق الثورة والقضاء عليها فطوقوا البلاد بأكملها بالأسلاك الشائكة المكهربة وحشدوا الجزائريين في معتقلات لا تطاق أملا في قطع المدد عن ثائريها ودمروا المداشر والقرى وأحرقوا المحاصيل وزجوا بمئات الألاف من الجزائيين في غياهب السجون وراقبوا السماء والأرض ومارسوا التقتيل الممنهج الجماعي لكن دون جدوى.
فمن جرجرة إلى الأوراس ومن تبسة إلى تمنراست وتلمسان وفي جميع ربوع جزائرنا الحبيبة، برز الجزائريون كمقاتلين ذوي بأس رهيب وشدة لا تلين وشجاعة لا مثيل لها وأكالوا الضربات الساحقة الماحقة الواحدة تلو الأخرى لقوى الشر والعبودية فترنحت جيوش فرنسا الاستعمارية مكلومة مهزومة لا تدري إلى أي وجهة تتجه. فالملاحم الأسطورية الطاحنة ومنها على سبيل الذكر لا الحصر معارك الجرف العظيمة وأخواتها ومعارك جرجرة الرهيبة والمواجهات الدامية بالجزائر العاصمة ومنطقتها وغيرها من الوقائع البطولية التي يشيب من هولها الولدان لم تستوفي كتب التاريخ بعد وصف دقائقها ومآثرها.
فنوفمبر المجيد هو الثورة الوحيدة في عالمنا العربي والإسلامي التي افتك من خلالها شعب الجزائر حريته واستقلاله بالقوة لا بالتفاوض عملا بمقولة ما أخذ غصابا لا يسترد إلا غلابا. لقد نأى الجزائريون بأنفسهم عن قبول المساومات المغرضة والخادعة وواصلوا الجهاد حتى نالوا الاستقلال التام بعد أن دفعوا ثمنه غاليا (مليون ونصف مليون شهيد) اذ لم نقل أكثر. ولقد حظيت ثورة نوفمبر المجيدة بدعم الأشقاء العرب والمسلمين وغيرهم من أحرار العالم ممن عاشوا احداثها وتفاعلوا معها وقدموا لها الدعم والمساندة المادية والمعنوية. وكان من أفضال ثورتنا أن رفعت رأس العرب والمسلمين عاليا وعجلت، بسبب ضغطها العملياتي الرهيب، باستقلال دول المغرب العربي كما أولدت نموذجا قياديا دفع بالكثير من الدول الافريقية نحو طريق الانعتاق وتفاعل مع قضايا العرب والمسلمين ودعّمها بالنفس والنفيس ومازال.
وفاء وتجديد: أما وفاء الجزائر لثورتها ولمبادئها المؤسسة فأبديّ موصول بالمستقبل تمظهر في وجهة الجزائر ومسارها المتمحور حول نصرة الشعوب المستضعفة ودعم القضايا العربية العادلة ومنها قضية فلسطين المغتصبة، التي اقيمت دولتها على أرض الجزائر، ومرورا بالدعم المادي والعسكري المباشر الذي منحه الجزائريون لإخوانهم العرب في مواجهة قوى العدوان والغزو، لاسيما خلال حرب اكتوبر 1973، وصولا إلى ما قامت به قيادات الجزائر الرشيدة وما تقوم به من تأييد لكل المواثيق العادلة على المستوى الدولي. فالجزائر هي من ساعدت دولا صديقة على الفوز بعضوية مجلس الأمن الدائمة وكانت سباقة للتوسط في الأزمات وحلّها سلميّا.
وها هم أبناء الجزائر التي صارت قلعة حصينة تستعصي على كل الطامعين والمعتدين اليوم، يجددون عهد الوفاء لنوفمبر ومبادئه المؤسسة عبر تكريس منطلقاته وتجسيدها على أرض الواقع من خلال مواصلة مسيرة البناء الوطني والإصلاح على درب تقدم الجزائر ورفعتها وسيادتها على مواردها وفي قرارها على المستويات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
فلتعش جزائرنا حرّة منيعة إلى أبد الآبدين.
السفير د. محمود براهم
نوفمبر المجيد وفاء وتجديد...